بقلم - فاطمة الزهراء الشهيبة
تشكل الأسر المسلمة جزءًا متزايدًا من النسيج الاجتماعي الأوروبي. جدير بالذكر أنه لا يوجد إحصاء رسمي دقيق لعدد المسلمين في أوروبا إلا أن مركز Pew للأبحاث قدّر عددهم بنحو 26 مليون شخص عام 2016، أي ما يقارب 5% من السكان¹.
لكن الأرقام وحدها لا تعكس تفاصيل الحياة داخل هذه الأسر ولا الاختلافات التي قد تنشأ بين أفرادها حول الهوية، الدين، القيم والمبادئ..
فبينما يعيش الأبناء في مجتمع تتشكل فيه رؤيتهم للعالم منذ سنواتهم الأولى، يحمل الوالدان منظومة من القيم والتوقعات تشكلت في سياق ثقافي مختلف.
فنجد أن الجيل الأول من المهاجرين الذين قدموا إلى المجتمعات الأوروبية واستقروا فيها، اصطحبوا معهم تراثا دينيا وتربويا وعادات اجتماعية.
لكن أبنائهم الذين التحقوا بالمدارس العامة واحتكوا بالمجتمع عن قرب، لا يجدون أنفسهم في نفس الموقف
الذي عليه آباءهم، و هنا تبرز الكثير من الإشكاليات، بين حرص الأسرة على ما تعتبره ضوابط ضرورية لحماية الأبناء، وبين البحث عن التوازن لدى هؤلاء الأبناء، وهم يحاولون التوفيق بين ولائهم للأسرة المسلمة وقيمها، وبين انتمائهم للمجتمع².
ولا تقتصر آثار العيش بين ثقافتين على العلاقات داخل الأسرة فقط، فقد تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها الفرد إلى نفسه وهويته.
فيجد بعض العرب والمسلمين أنفسهم في مواجهة مع تصورات وقوالب نمطية مرتبطة بدينهم وثقافتهم، تؤثر في الطريقة التي ينظرون بها إلى أنفسهم وإلى هويتهم. فيشعر الفرد باستمرار بأنه مطالب بإثبات أن دينه وثقافته لا يمثلان الصور السلبية التي تُنسب إليهما، أو يصبح أكثر حرصًا على طريقة ظهوره أمام الآخرين خوفًا من أن يُنظر إليه من خلال تلك الصور النمطية. ومع تكرار هذه التجربة قد تتحول الهوية من مصدر طبيعي للانتماء إلى مصدر للتوتر والوعي المستمر بالاختلاف، ويضع ذلك الفرد أمام محاولة مستمرة لتحقيق توازن بين الحفاظ على قيمه الدينية والأخلاقية والثقافية، وبين المشاركة الطبيعية في المجتمع من حوله..
بالعودة للأسرة، تصبح التحديات أكثر تعقيدا عندما يعيش الجيلان تحت سقف واحد، الآباء والأبناء، بينما يحمل كل منهما تصورات مختلفة تماما حول السلطة الابوية، الاستقلال، الاختيارات الشخصية، وحتى تفاصيل الحياة اليومية كخروج الابن مع الأصدقاء، ممارساته الدينية، ملابس الابنة وعلاقاتها وغيرها مما يراها الوالدان بصورة بديهية مسائل تتعلق بالحماية والمسؤولية بينما يراها الأبناء جزءا من حريتهم الشخصية، وتزداد المشاكل حين يصبح الحوار صعبا أو مستحيلا وينظر إلى أي اعتراض من طرف الأبناء على أنه تمرد ورفض لقيم الاسرة، ما يجعلهم في كثير من الأحيان لا يتخلون عن اختياراتهم وإنما يبدؤون في إخفائها عن والديهم وعيش حياة مزدوجة..
في المقابل يعيش الوالدان بدورهما مخاوفهما الخاصة، فليس كل تشدد وصرامة هو رغبة في السيطرة، عند أغلب الآباء هو خوف من فقدان الأبناء لدينهم وهويتهم، وابتعادهم عن القيم التي نشؤوا عليها..
فيجد الآباء أنفسهم بين القلق من نظرة العائلة الممتدة والأقارب وبين الرغبة في حماية الأبناء
إذاً ! كيف يمكن للأسرة تحقيق التوازن؟
أولا الحوار:
قد لا يتفق الوالدان مع بعض أفكار أبنائهم واختياراتهم، لكن ليس بالضرورة أن يتحول كل خلاف إلى صراع.
يحتاج الأبناء إلى مساحة يستطيعون فيها التعبير عن أفكارهم واهتماماتهم دون خوف ودون أن يقابل ما سيقولونه بالرفض أو العقاب.
ثانيا الثقة:
مع تقدم الأبناء في العمر يحتاجون إلى مساحة أكبر من الاستقلال مع بقاء الحدود الأسرية واضحة وقابلة للنقاش، فالثقة لا تعني غياب القواعد كما أن وضع الحدود لا يعني إلغاء استقلالية الأبناء إنما فقط ينبغي للوالدين التدرج في منحهم المسؤولية بما يتناسب مع أعمارهم ونضجهم.
ثالثا الثقافة انتماء لا قيود:
لا يمكن أن يتحقق الحفاظ على اللغة، الدين والثقافة بالفرض وحده، بل بربطها بتجارب إيجابية يعيشها الأبناء داخل الأسرة وخارجها..
يمكن للوالدين مشاركة أبنائهم في المناسبات الثقافية، الحفاظ على التواصل مع الأقارب، تشجيعهم على تعلم اللغة والمشاركة في الأنشطة الدينية...
المهم أن يشعر الابن أن هويته الأصلية ليست مجموعة من القواعد يفرض عليه الالتزام بها وإنما جزء من عالمه، ذكرياته وعلاقته بالأشخاص الذين يحبهم.
رابعا توفير بيئة ومؤسسات داعمة:
لأن مسؤولية تحقيق التوازن داخل الأسرة لا تقع على الوالدين فقط، تشير بعض الكتابات حول واقع الأسر المسلمة في الغرب إلى أن ضعف المؤسسات والمناهج والبرامج المتخصصة في التنشئة والرعاية الاجتماعية والتثقيف الديني والثقافي يمثل أحد التحديات التي تواجه هذه الأسر.
ومن هنا تبرز أهمية وجود مراكز وبرامج تساعد الأبناء على التعرف إلى ثقافتهم ولغتهم ودينهم، وفي الوقت نفسه تدعم مشاركتهم الطبيعية في المجتمع الذي يعيشون فيه³.
في النهاية لا يمكن للأسرة أن تعيش بين ثقافتين مختلفتين دون أن تواجه اختلافا في القيم والتوقعات، كما لا يمكن للآباء أن يحموا أبناءهم من كل تأثير يحيط بهم، لكن طريقة تعاملهم مع هذه التأثيرات هي التي تحقق التوازن وتحول دون أن يتحول الاختلاف إلى صراع يهدد شعور الفرد بذاته أو علاقته بأسرته..