بقلم - المعالجة النفسية فاطمة الزهراء الشهيبة
تعود خديجة بعد يوم طويل من المدرسة، تخلع حقيبتها وتجيب على أسئلة أمها بكلمات مختصرة..
يناديها أبوها من الصالة فتلتفت ببطء، الاسم نفسه.. ينطقه المعلم بطريقة، ووالداها بطريقة أخرى، أما أصدقاؤها فينادونها بالاسم الذي اختارته هي لنفسها..
تتساءل في صمت، هل يمكنها الاعتراف بأنها تحب المدرسة أكثر من البيت..
قد تبدو مثل هذه المواقف اليومية بسيطة وعابرة، وقد يظن كثير من الآباء أنها جزء طبيعي من رحلة التأقلم في بلد جديد، لكن ما لا يعرفونه أن الاختلافات الثقافية قد تكون أكثر تأثيرا على شعور الطفل بالقبول والانتماء.
تشير أبحاث علم النفس الثقافي إلى أن العيش والنشأة بين ثقافتين يمثل تجربة معقدة للأطفال والمراهقين في بعض الحالات، وقد يرافقه ما يسمى بضغط التكيف الثقافي Acculturative stress نتيجة محاولة التأقلم مع البيئة الجديدة والحفاظ على الارتباط بالثقافة الاصلية في الوقت ذاته.
ويواجه بعض الأطفال صعوبة في تكوين هوية متوازنة، أو يشعرون بالحيرة والانقسام بين توقعات الأسرة ومتطلبات المجتمع الجديد.
من جهة أخرى يدفع خوف بعض الآباء من فقدان أبنائهم لهويتهم الأصلية إلى فرض أسلوب حياة صارم داخل المنزل سواء للغة أو العادات أو التعاليم الدينية دون مراعاة أو تدرج.
ومع مرور الوقت يشعر الأطفال أنهم لا ينتمون بشكل كامل إلى أي من الثقافتين، خصوصًا إذا شعروا أن انتماءهم لإحداهما يعني التخلي عن الأخرى.
وقد يرافق هذا الشعور ارتباك في تكوين الهوية أو إحساس دائم بالغربة، حتى بعد سنوات طويلة من الاستقرار في البلد الجديد.
و في بعض الحالات، يدفع هذا الصراع الطفل إلى الابتعاد تدريجيًا عن بعض جوانب هويته الأصلية أو التخلي عنها إذا ارتبطت في ذهنه بمشاعر الرفض أو الاختلاف أو أصبحت وسيلة تعيق اندماجه وشعوره بالقبول.
هنا يأتي دور الوالدين في مساعدة الطفل على بناء هوية متوازنة والارتباط إيجابيا بالثقافة الأصلية.
خلصت دراسة أجراها John Berry وزملاؤه على شباب من أصول مهاجرة بين 13و18 سنة أن أفضل النتائج النفسية كانت لدى الأطفال والشباب الذين استطاعوا بناء علاقة صحية ومتوازنة مع ثقافة المجتمع الجديد مع الحفاظ على هويتهم وثراتهم.
إذاً!
كيف يمكن أن يدعم الآباء أبنائهم لتحقيق هذا التوازن؟
أولا مشاركة الطفل اللغة، الشعائر الدينية، العادات، القصص العائلية والمناسبات بطريقة إيجابية تجعلها جزءا من ذكريات جميلة ودافئة يشعر بالانتماء إليها بدل أن ترتبط بالصرامة والضغط.
ثانيا عدم جعل الطفل يشعر أنه مضطر للاختيار، لأن الصراع الداخلي يزداد كلما شعر أن عليه الإختيار بين إرضاء أسرته والاندماج في المجتمع.
ثالثا الاستماع والحوار:
قد يظن الوالدان أن ابنهما بخير لأنه يتحدث اللغة الجديدة ويحقق نتائج جيدة في المدرسة، بينما يخفي في داخله أسئلة ومشاعر لا يعرف كيف يعبّر عنها. لذلك فإن الحوار الهادئ والإنصات دون إصدار أحكام يمنح الطفل مساحة آمنة لفهم نفسه والتعبير عن مخاوفه.
أخيرا، من المهم أن يشعر الطفل بأن هويته الأصلية ليست فقط مجموعة قواعد يُطلب منه الالتزام بها، بل عالم حي يجد فيه أشخاصًا يحبونه ويشبهونه.
يمكن تحقيق ذلك من خلال الحفاظ على صلة الطفل بأقاربه، وتشجيعه على المشاركة في الأنشطة الدينية أو التطوعية، وزيارة بلده الأصلي متى أمكن، أو تكوين صداقات مع أطفال يشاركونه الخلفية نفسها.
فعندما ترتبط الهوية بتجارب إنسانية دافئة، تصبح جزءا طبيعيا من الشخصية ومصدر قوة وانتماء، لا عبئًا يسعى الطفل للتخلص منه.
إلا إذا شعر الوالدان أن الصراع بدأ يؤثر في نفسية الطفل أو علاقته بنفسه وبمن حوله، فقد يكون اللجوء إلى مختص نفسي خطوة داعمة تساعد الأسرة على فهم التحديات وبناء طرق صحية للتعامل معها.
في النهاية، يمكنك الحجز مع المعالجة فاطمة الزهراء عن طريق تطبيقنا الرسمي اتزان | استشارات نفسية عن بعد
يمكنك تنزيله على هاتفك من خلال:
- من Google Play: اتزان
- التواصل معنا على الواتساب لنرتب لك جلستك في أسرع وقت: اتزان واتساب
المصادر:
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1111/j.1467-9450.1995.tb00964.x?
https://iaap-journals.onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1111/j.1464-0597.2006.00256.x
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0147176709001254